الحزب الوطني- الإسلامى!! نشرت تاريخ 24 / 11 / 2006

تخيلت للحظة -أو بالأحري تمنيت- أن تكون هناك صفقة بين الحزب الوطني ونواب جماعة الإخوان المحظورة، صفقة سياسية تقدم بموجبها الدولة وزير ثقافتها قرباناً لثمن أكبر من فهمنا السياسي المحدود !.

لست ممن يقبلون «الموت المجاني» أو «الغباء السياسي»، عادة أطمح لأداء رفيع في معارك الوطن، وأتوقع استخدام كل الأسلحة (حتي الصفقات الخفية ) لصالح البلد، لكنني بكل أسف أجدني دائما في مقاعد المتفرجين أندب حظ مصر، أو ألطم أحيانا (بالمناسبة اللطم حرام!)، وأنا أري أصحاب القرار يقدمون البلد مجاناً لقوي الظلام، ويسلمون مستقبل مصر للإخوان المسلمين، وهم يرفعون هتافات الدولة الدينية، ويتطلعون لثواب الجماعة علي روح بلد كان محروساً واختطف منا في «غفلة»!.

بلد كان محروساً بعقيدة راسخة لم تهدم الحضارة الفرعونية بحجة محاربة «الوثنية»، بلد ظل محروساً بمفكريه ومبدعيه ومجددي الفكر الديني فيه. بلد احتضن الأزهر وقاوم الإرهاب الديني، ورفض التعصب، وناضل ليبقي رغم الفساد والفقر والقهر. لكنه سقط في لحظة أمام تحالف (الوطني - إخوان).

المشهد الذي وصفه الوزير «فاروق حسني» بأنه «سيريالي» فجأة تحول إلي مشهد عبثي تحت قبة البرلمان، حين قررت رموز الدولة الاختباء في خندق الإخوان ورفع المصاحف علي أسنة السيوف للمزايدة عليهم، وهم يعلمون تماما أنه خندق ملغم بفتاوي التكفير، والحجر علي الدولة الكافرة (من وجهة نظر الجماعة)، خندق ملطخ بتاريخ دموي للإخوان، ومدجج بدعاوي حسبة ضد المبدعين.

دخلت الدولة إلي مشرحة الإخوان بإرادتها، وتحولت إلي «جثة» تحرض الجميع علي العبث بأعضائها!. وجاءت كلمات السادة النواب محرضة أكثر منها ملطفة لمشاعر الجماهير التي تختصر الدين كله في غطاء الرأس.

كان غريباً أن نتابع مباهاة بعض السادة الأعضاء بحجاب زوجاتهم، وصراخ وعويل الآخرين لنصرة الدين الإسلامي التي لن تكتمل إلا بإقالة «فاروق حسني» !. العجيب أن هؤلاء جميعا اجتمعوا علي تسطيح القضية وحصرها في خانة «الحجاب فرض» ليدفعوا بوزير الثقافة إلي مأزق «التكفير».

وبدا الأمر وكأن هناك «جلسة استتابة» ستعقد للوزير السبت القادم لإعلان توبته أو الحكم بإراقة دمه. وبذلك اكتملت فصول «المهزلة» التي بدأها نواب الإخوان وأتمها نواب الحزب الحاكم.

عادت بنا المزايدة السياسية إلي عصور التخلف التي حذر منها «فاروق حسني» في تصريحاته التي فجرت الموقف، وبدأت موجة إرهاب فكري تتربص بكل من يتجرأ علي الدفاع عن حرية الرأي، وحاول البعض تصوير الدفاع عن الوزير بأنه طعن في الدين الإسلامي أو اجتراء علي الثابت منه. وبكل أسف اختفي كثير ممن يدعون الليبرالية ويتزعمون حركة التنوير - اختفوا خلف ستار «الصمت القاتل» !.

قد يعتقد البعض أنني - وبعض المثقفين- ندافع عن وزير الثقافة، لكننا في الحقيقة ندافع عن هذا البلد وبالتالي عن أنفسنا، نتصدي لحملة شرسة ذات أهداف سياسية معلنة هي «الدولة الدينية»، ونواجه محاولات توظيف الدين في المؤامرات السياسية، واستخدام «الحجاب» كوسيلة لنيل الأصوات في انتخابات اتحادات الطلبة، والنقابات المهنية.

صحيح أن نواب الأغلبية خذلونا في معركة تسييس الدين، وأن الإخوان نجحوا في جر بعض رموز الدولة للعب علي أرضية دينية، وصحيح أيضا أن الإخوان كسبوا الجولة الأولي بنجاح جعل منهم الأغلبية الفاعلة في المجلس الموقر.

وتلك الخسائر المؤقتة قد تسحب البساط من تحت أقدام الحزب الوطني، لكنها لن تجرنا إلي كهوف الإخوان. فخط الدفاع الأخير عن مصر هو دائماً في عقول مفكريها ومثقفيها، هؤلاء علي وعي كامل بعملية اختراق الإخوان للمجتمع من خلال الحلقة الأضعف، وأعني هنا «المرأة»، علي وعي بمخطط الدولة الموازية التي يحكمها الإخوان ويمولونها بالعيادات الصحية، والمدارس الإسلامية،والسيطرة علي مؤسسات المجتمع المدني. لكن الدولة الشرعية لا تسعي لتحرير تلك الأماكن من قبضة الإخوان.

الدولة مصرة علي التعامل مع جماعة الإخوان «المحظورة» باعتبارها «ملف أمن دولة»، هم يكسبون كل يوم أرضاً جديدة والدولة تتراجع في مواجهتهم.

حتي لم يعد هناك مفر من انضمام نواب الحزب الحاكم إلي الجماعة المحظورة في معركة «الوزير والحجاب».

قطعا لا توجد صفقة رابحة لصالح الدولة من هذا التحالف، وربما كانت هناك محاولة لتأسيس كيان سياسي جديد قد يصبح اسمه «الحزب الوطني - الإسلامي»، وساعتها ستولد جماعة موازية تحكم الشارع باسم (جماعة الديمقراطية المحظورة)!!.

الحزب الوطني- الإسلامي!!.. نشرت بتاريخ ا٢٤/ ١١/ ٢٠٠٦

زمن «الجنرِالات» !! .. نشرت بتاريخ 17 / 11 / 2006

انتهي عصر المعجزات، ذهبت الكرامات مع إناس كانوا «صالحين» لزمن الكرامات. لم يتبق - إذن- إلا بعض «التهويمات» أو في أفضل الأحوال بعض الأمنيات!.

أمنيات ولدت من رحم اليأس، مبتسرة، واهنة، لكنها رغم تشوهاتها قادرة علي انتشالنا لبعض الوقت من واقعنا الكئيب. قادرة علي بث شحنة حماس في أوصالنا المجمدة علي طرق مجهولة. إنها مجرد أمنيات أو بالأدق «أوهام» لكن لديها قوة دفع لأرواح استكانت علي مرفأ العجز. الأمنيات تحولت إلي «معجزة» تصنع لنا «حياة وهمية» تستردنا من حالة «الموت الإكلينيكي»!.

ليست المرة الأولي التي تصبح فيها «صناعة الوهم» أقصي إنجازاتنا، وأخر مبتغانا. «الوهم» أنقي وأجمل من «الأمل»، الوهم قالب يضم حلولاً لأحلام مستحيلة، سلاح ينصف المظلوم، وينشر العدل، سلاح يواجه كل شياطين الشر المرئية والغيبية، ويقتلها في لحظة إيمان صادق بأنه يتجسد في «شخص» أو «نور» أو فكرة!.

نظرية الوهم تطلقنا من خندق الانكسار، وتذكروا حين سقطت «بغداد»، كانت نبوءة ظهور «المهدي المنتظر» تحتل شاشات الفضائيات ومنتديات الإنترنت وأحاديث الصالونات، وحتي أحلام الصبايا. كنا نبحث عن «فارس» له قدرة خارقة مدعومة من السماء ليخلصنا من عار احتلال العراق، فارس يتسم بصفات «النبوة» بدلاً من سيئات البشر. كانت الكارثة - آنذاك- أكبر من قدرتنا العقلية، لم نستعبها ولم نجد لها حلولاً دنيوية فلجأنا إلي الغيبيات، وفي عالم الغيبيات هناك دائماً «المخلص» الذي نبحث عنه وننتظره.

لم يظهر «المهدي المنتظر» ليحرر العراق، لكننا أيضا لم نتحرر من أسر «القائد الملهم» الذي يسير الجيوش العربية خلفه، ويعمل تحت مظلة إلهية تبارك خطواته وتكللها بالـ «النصر»، فأسقطنا كل أفكارنا المسبقة وأحلامنا الدفينة علي كاريزما السيد «حسن نصر الله»، قبلنا أن تدمر لبنان نظير عدة صواريخ تكسر كبرياء العسكرية الإسرائيلية، وتضرب العمق الإسرائيلي . اعتبرنا «الجهاد» جسر الأمل الممدود الذي يصلنا بالسماء، نرويه بدماء الشهداء، ونرفع أعمدته بصيحة «الله أكبر»، لكننا لم ننل - من موقعنا هذا - شرف الشهادة، ولا فرحة بنصر كامل، لم نصل بعد إلي السماء.

في كل عصور الانهيار، والأزمات الشديدة، كانت عيوننا تصبو دائما للسماء، تنتظر «بشارة»، وعقب كل «نكسة» كنا نجري إلي الكنيسة انتظاراً لظهور «العذراء»، وكأننا دائما نتوقع أن «الملائكة» التي ظللت جنود حرب أكتوبر «إذا صحت الواقعة» لابد أن ينوبون عنا في حروبنا ضد الاحتلال أو الفساد أو الاستبداد!!.

وكلما اشتدت ظلمة الواقع، وتحولت الحياة إلي قبر يطبق علي صدورنا شيئاً فشيئاً ازداد شوقنا لبشارة السماء. هل رحلة البحث عن «المخلص» تفسر ظاهرة مسجد الحامدية الشاذلية، وإجماع المصلين علي وجود الرسول الكريم «عليه الصلاة والسلام» يؤم المصلين في ليلة القدر؟ لا أدري.

عودة إلي الشيخ «جابر الدسوقي» إمام المسجد، سنجده نفي في آخر تصريحاته أنه رأي الرسول مجسداً ويصلي بالمصلين إماماً، وأضاف أنه أيضا لم يقل إنه رآه في المنام !!. الأمر كله بحسب كلام الشيخ «جابر الدسوقي» مجرد إحساس وشعور روحاني من شدة الخشوع.

إذن كيف خرجت القصة بهذا الحجم، وتم تضخيمها، وتصويرها كمعجزة ؟ لماذا أجمع المصلون علي أن الصلاة في الركعة الثانية في حضور «نوره» استغرقت وحدها ٧٥ دقيقة؟ الرد وفقا لرأي علم النفس أن ماحدث «استحضار ذهني»، وقطعا هذا يلبي احتياجاً نفسياً وروحياً لأمة مهانة، أمة عجزت عن حماية رسولها من كاريكاتير ساخر!.

أمة تهان كل يوم بالمجازر الجماعية، ومطاردة «أصحاب اللحي» بإسم الإرهاب، أمة عاجزة رأي بعض منها أن تجسيد الرسول الكريم في ليلة القدر أشبه بإسراء جديد «طبقا لروايتهم شعروا أنهم انتقلوا للمسجد الحرام»، وهو إسراء قد يتطور إلي جيش يحرر القدس السليب!!.

بالأمس كانت الناس تبحث عن زعيم سياسي يقود حركات التحرر، أو مفكر يحدث ثورة علي الثابت والمألوف، أما الآن فقد كفرت الناس بالنظريات السياسية والفكرية، إنهم ينتظرون زعيماً روحياً فيه نقاء الأنبياء، ولديه القدرة علي إحداث المعجزات.

إنهم يترجمون أحلامهم بمجرد «دعاء»، يترجمون حالة «انهيار جماعي» تحتاج لـ «معجزة حقيقية»، لكننا لسنا في زمن المعجزات، بل في زمن «الجنرالات»!!.