من الطب.. ما قتل!! .. نشرت بتاريخ 27 / 1 / 2006


أهم ما يميز الشعب المصري ـ في نظري ـ هو سياسة: «الرضا بالمقسوم عبادة» تلك التي يواجه بها كل النكبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضا!.يستوردون لنا مبيدات مسرطنة أو ألبان أطفال ملوثة بمواد مشعة.. لا بأس، نحن راضون تماماً بقدرنا، أليس «الرضا» أولي درجات رفع البلاء!. يرضعون فلذات أكبادنا ألباناً فاسدة أو يفسدون أكبادنا ذاتها.. لا بأس أيضا!.
ولأننا أمام قطاع حيوي، كل من ينتمي إليه يسمي «حكيما» فلا يصح أن نتشكك لحظة في ضمائرهم أو نتهمهم بالإهمال الجسيم أو بالاتجار في آلام المرضي وعذاباتهم. الثقة في القطاع الطبي نابعة غالباً من داخلنا، من حالة الهلع التي تتلبسنا أمام مارد المرض فتدفعنا للتعلق بكلمة من فم طبيب تحدد موقفنا ما بين اليأس والرجاء.
جميعنا نسلم مصائرنا للطبيب دون أن نسأل أو نناقش تشخيصه أو روشتة العلاج الذي وصفه، لأننا أمام «الطب» جهلة بدرجة أو بأخري، ومصداقية الطبيب هنا هي طوق النجاة الذي ينتشلنا من حالة العجز ولو مؤقتا!.
لكن إذا كنت من أصحاب التاريخ الطويل مع المرض ـ مثلي ـ قطعاً ستخرج من حالة الإذعان لكل ما يقال لك وتسأل: هل صحيح أن الدم الذي يتلقاه المريض بريء من نقل الفيروسات الكبدية والإيدز؟ لا أعتقد، لأن هذا معناه أن الدولة تدعم اللتر الواحد بحوالي خمسمائة جنيه للفحوصات وحدها، وهي فكرة خيالية، خاصة إذا علمنا أن معظم المستشفيات تطلب التبرع بالدم من أهالي ضحايا الحوادث أو من يحتاجون لنقل دم عاجل.
وإذا كانت الدولة تدعم بنوك الدم بتلك الأموال الطائلة لماذا لا تعقم أجهزة الغسيل الكلوي الملوثة بلعن الفيروسات، فمن يخضع لجلسة غسيل يخرج بفيروس، أو لا يخرج إلا علي ظهره!. فإذا أفترضنا ـ علي سبيل التفاؤل ـ أن الدولة معنية بصحة المواطن فلابد أن نسأل: لماذا تحول المواطن إلي «فأر تجارب»، يتعاطي آلاف الحبات من أدوية محظورة منعت منظمة الصحة العالمية تداولها: «مثل دواء الأنفلونزا نايت آند داي، ودواء موبيك الذي تم سحبه من الأسواق مؤخرا!».
أين «الحقيقة» في وقائع الإهمال الجسيم في غرفة العمليات؟، لماذا تحولت أخطاء الأطباء من ترك فوطة أو مشرط في بطن المريض إلي فقء العين أو بتر اليد أو الشلل التام أو الغيبوبة حتي الموت؟. هل لدي وزير الصحة الدكتور «حاتم الجبلي» القادم من بين صفوف المستشفيات الاستثمارية أجوبة لهذه الأسئلة؟. هل يستطيع أن يبرر لنا الحرب الضروس بين شركات الأدوية حول علاج فيروسC بين الترويج للحبة الصفراء أو لعقار الإنترفيرون أو لأعشاب الدكتور عبد الباسط.. أليس هذا اتجاراً في آلام البشر!. مَن الملوم في أخطاء التخدير الخطيرة، هل المريض الذي لا يعرف معني تداعيات تلك اللحظة التي يفقد فيها الوعي لتتأرجح روحه بين الموت والحياة؟ أم الطبيب الذي لم يكتشف حالته الصحية ليتجنب مضاعفات قد تودي بحياة المريض؟!.
ربما لا يعلم وزير الصحة الجديد ـ بحكم ممارسته الطب في أرقي المستشفيات الاستثمارية ـ أن المستشفيات الحكومية تطلب من المريض ـ أحياناً ـ شراء الشاش والمستلزمات الطبية علي نفقته الخاصة. لكن المؤكد أنه يعلم تماماً الفرق الشاسع بين الفندقة السبع نجوم في مستشفيات المرضي السوبر ومستشفيات «الناس الغلابة»، ويعلم أيضا أن مظلة التأمين الصحي خدعة، وأن جميع الأمراض المستعصية التي تحتاج آلاف الجنيهات لعلاجها خارج مشاريع العلاج التي تكفلها النقابات وأولاها نقابة الصحفيين التي أنتمي اليها. أعلم أن الدكتور الجبلي ليس مسؤولا عن تاريخ العبث بأرواح الناس، لكنني أسأله: إلي متي سيستمر هذا المسلسل العبثي؟. أين الخلل: «هل في تدريب الأطباء، أم قلة رواتبهم الحكومية، أم في انشغال الأساتذة بتكوين الثروات قبل تنمية العقول والمدارس الطبية؟». الحقيقة لا أتوقع إجابة شافية من أحد.. لا أنتظر إلا مزيداً من الضحايا التعساء الذين يسخرون سراً من قَسم «أبو قراط» ولسان حالهم يقول «إن خطأ الطبيب يعادل القتل العمد»، يتوقعون أن تباشر نقابة الأطباء دورها في محاسبة المخطئ، وينتظرون «رحمة السماء» بكل صبر ورضا، لتحررهم من آلامهم.. ولو بالموت.

حكومة للشعب.. أم عليه؟! .. نشرت بتاريخ 23 / 12 / 2005


هل يمكن أن نعتبر النتائج الصادمة للانتخابات النيابية بروفة لعملية "التغيير"؟ هل يجوز أن تتحول أصوات الناخبين إلي استفتاء شعبي علي مطالب الشعب من الحكومة القادمة؟.
ربما تبدو الفكرة عبثية ولكن في غياب قياسات علمية للرأي العام يمكن أن نضع ظاهرة البلطجة والرشاوي الانتخابية كمؤشر يحدد حجم "البطالة" التي افترست ضمائر البعض وجعلتهم مجرد سلعة لمن يشتري !. ونتساءل: أليس سقوط بعض رموز الحزب الحاكم مؤشرا علي رفض الناس لـ "الفساد"؟، ألم يتحكم الوازع الديني لدي رجل الشارع في ترجيح كفة نواب جماعة الإخوان المحظورة؟.
هناك شبه إجماع علي شرط واحد في اختيار الوزراء الجدد وهو "طهارة اليد"، أما المطالب فهي كثيرة، لعلها تبدأ من تقديم إقرار الذمة المالية لبعض الوزراء المزمنين عند خروجهم من الوزارة - هذا إذا خرجوا-، أما في حالة بقائهم جاثمين علي أنفاسنا فلابد أن يطبق قانون محاسبة المسؤولين،لتدخل كلمة "الشفافية" التي نطنطن بها ليل نهار إلي حيز التنفيذ؟
ربما تتراوح المطالب الشعبية بين الخيال والرومانسية السياسية. فدعوني أحلم قليلا، ولندخل بوابة التغيير السحرية علنا نجد القانون "سيد الموقف"، فلا أحد ينتهك مبدأ "سيادة القانون" تحت بند: (إنت عارف أنا ابن مين)!!. وساعتها لن تمتد يد مسؤول للمال العام، ستختفي "الرشوة" من أروقة الوزارات، وتتلاشي شلل المحاسيب والأقارب، ويشفي الوزراء من ضعفهم أمام رغبات "الأولاد" والثروات المشبوهة.سيقلص عدد الوزارات وبالتالي تقل مواكب الوزراء التي ترهبنا، وتغلق منافذ السير والمستقبل في وجوهنا !.
في "أحلام اليقظة" أتخيل أن هناك "قانونا ما" سيرد الأموال المنهوبة إلي الشعب، فتعود القصور والأراضي "المغتصبة" ليتم توزيعها علي المواطنين بـ "العدل".. لكنني أسترد وعيي لأكتشف أن هناك المزيد من الأراضي والقصور تتأهل لاستقبال الوزراء الجدد !. وحين أعود لأشكل وزارة متخيلة تعمل لخدمة الشعب وليس لصالح حفنة المنتفعين (العصابة)،أجد بضعة أمتار لمسكن شاب في مستهل طريقه.. وعدة أفدنة صالحة للاستصلاح يستلمها أحد الخريجين، يدخر فيها عافيته وشبابه ليأكل الشعب من ثمارها.. وأقبض يدي علي فرصة عمل هاربة من أغلال الواسطة والمحسوبية التي تحاصر كل كفاءة وتنفي أي موهبة. فقط..أنا أحلم.. بأسرة بسيطة قادرة علي شراء "كسوة العيد" بعدما تحسنت موارد المعلم فلم يعد هناك مجال للدروس الخصوصية.أضع برنامج السيد رئيس الجمهورية أمامي وأسافر علي جناح التفاؤل: "حتما ستلغي عقوبة حبس الصحفيين من القانون.. وتطلق جميع الحريات. فالمجتمع سيشهد حالة "إصلاح سياسي" حقيقي، والديمقراطية تفرض حرية اصدار الصحف و تأسيس الأحزاب و تحمي حقوق الإنسان، سيأتي يوم تلتزم العدالة بعينيها المعصوبة لكنها ستسير بكل قوتها لتنشر المساواة".
سيحررنا الإصلاح الاقتصادي الشامل من عقدة "الخوف" من المجهول، سيحررنا الرخاء من الإحساس بالقهر. وستختفي من قاموس حياتنا الاجتماعية عبارات البطالة والعنوسة والجريمة والعنف. سنصبح مجتمعا آمنا متماسكا من الداخل.
سيحل التواصل الإنساني محل الصراع، وينقي الحراك السياسي من الفوضي والانتهازية، ستشارك المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني في صياغة مستقبل مصر، ستخرج المرأة من قمقم "تاء التأنيث"، وتخمد نار الفتنة الطائفية ليصبح الوطن كله علي قلب رجل واحد. وهنا تسترد مصر "القوية" ثقلها علي الخريطة الدولية وترفض الانصياع للإملاءات الأمريكية.إلي هنا واكتشفت أنني أبحرت طويلا مع أفلاطون في "المدينة الفاضلة". بينما البلد يحتاج إلي "معجزة" لا تتوفر للحكومات. أما "التغيير" الحقيقي فيحتاج لتطوير العقل الجمعي، يحتاج لمواطن يتمسك بحقوق المواطنة ويراقب أداء الحكومة، وللأسف المراقبة عملية محبطة جعلتني أعود لقسوة الواقع لأنتظر بعض الوزراء القادمين لتسلم الحقائب الوزارية وفتحها بـ "طفاشة" !!.

الصمت.. أضعف الإيمان! .. نشرت فى 9 / 12 / 2005


"العدالة" ليست مجرد قيمة روحية مجردة نتغني بها، بل هي أحد موازين الكون. إذا اختلت اختل معها الكون بأكمله، وإذا فتحت عينيها فقدت حيادها وموضوعيتها.
صحيح أنها تحتل أعلي المراتب السامية في منظومة الأخلاق، لكن تحولها من مجرد "فكرة" إلي واقع لا ينتقص من قدسيتها، وتلك القدسية تنتقل بالتبعية للشخص المنوط به تحقيقها وأعني به "الحاكم".. والقاضي أيضا.
فالحاكم يسعي لتطبيق شريعة السماء: "العدل أساس الملك"، وهي مهمة تبدو مستحيلة في زماننا هذا، بينما مهمة القاضي محددة بإطار جغرافي وجماعة إنسانية تشكو إليه ليرفع عنها المظالم. القاضي بشكل أو بآخر هو يد الحاكم الطولي لتحقيق العدالة، فبكلمة واحدة من علي منصة القضاء قد تفقد حريتك أو تسترد حياتك.
ومن هنا.. محظور علي الصحافة التعليق علي أحكام القضاء، فجميعنا نتعامل مع السلطة القضائية باعتبارها الحصن الآمن، وخط الدفاع الأخير عن المواطن والوطن.
فلماذا تبدل الحال مع الإشراف القضائي علي العملية الانتخابية؟! لماذا امتلأت الفضائيات بشكاوي القضاة وتذمرهم وتهديدهم بالانسحاب من الإشراف علي الانتخابات؟ الحقيقة.. لم تفزعني شهادة المستشارة "نهي الزيني" حول تزوير نتيجة الانتخابات ربما لأنها نشرت في جريدة مصرية (المصري اليوم)،
لكن مع توالي ردود الفعل حول شهادتها الصادمة في مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية بدأت أسأل نفسي: هل يجوز لأي قاض أن يفشي "أسرار الدولة" علي القنوات الفضائية، مع التسليم بأن دوافعه هي تحقيق انتخابات نزيهة؟ هل طريق الشفافية يبدأ بالتعريض بالسلطة التنفيذية والحزب الحاكم؟ رغم اختلافي الجذري مع أداء الحزب الوطني وتعنت الأجهزة الأمنية شعرت بأن حق النقد قد يكون مكفولا للصحفيين أو للمشتغلين بالسياسة، أو لمنظمات المجتمع المدني التي تراقب العملية الانتخابية، أما القضاة فمحرومون - هذه المرة - من حق النقد.
لكن بعض رجال القضاء خرجوا عن مسارهم، وأطلقوا تصريحات سياسية صرفة، جعلت دورهم ملتبسا بين الإشراف علي الانتخابات والممارسة السياسية!!. وبعض الخبثاء فسروا الأمر بأن كشف مساوئ السلطة التنفيذية المراد منه تبرير مشروع "استقلال القضاء"، والبعض الآخر استحسن رفض القضاة إتمام عمليات التزوير تحت أنظارهم، أنا شخصيا من الفريق الثاني، لكن هل يتحقق ذلك بإطلاق القذائف من منصات القنوات الفضائية؟ لا أعتقد.
في ساحة المحكمة، يتمتع القاضي بالسلطة المطلقة، لكن في إدارة العملية الانتخابية، هناك توزيع أدوار بين سلطات مختلفة، منها المحافظة و الداخلية وجهات عدة مهمتها جميعا، أن تصل أصوات الناخبين إلي صندوق الاقتراع الذي يكتسب حرمته من إشراف القضاء، لتدخل الأصوات دورة الفرز بين أياد أمينة. وهذا معناه ببساطة أن مهمة القاضي تبدأ بعد عدة مراحل تتولاها أجهزة أخري، لكن نتيجة الخلط بين الأدوار بدأت إنذارات الانسحاب من العملية الانتخابية طالما ظلت الشرطة تحول دون تدفق الناخبين، في وقت متزامن مع المواجهة المحتدمة بين الأمن و البلطجية. واختلطت المطالبة بتحييد الشرطة مع المطالبة بحماية القضاة، وتراجع الحديث عن نزاهة الانتخابات مقابل شهادة بعض القضاة بتزويرها. وتلك الشهادات صدرت عنهم ثم ارتدت إلي صدورهم، فخرج علينا "عصام العريان"، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ليتهم الحكومة باختيار قضاة مشكوك في نزاهتهم لعمليات الفرز! ألم يكن يعلم أحد القضاة الذين صوبوا السهام إلي قلب الوطن، أنهم يسكنون هذا القلب المنهك.. وعليهم الآن أن يضمدوا جراحه بالعودة إلي ثكناتهم أو بالتزام "الصمت" وذلك أضعف الإيمان؟