لا حصانة لقاض في وطنه! .. نشرت بتاريخ 21 / 4 / 2006


هل شعرت يوما بأنك تتألم وحدك في العراء، قدماك مكبلة بقانون الطوارئ، والحكومة تتهددك في أمنك ورزقك، وجحيم الفوضي السياسية يحاصرك؟. تصرخ دون أن يسمعك أحد، تنادي "نواب الأمة" يردون عليك بلغة الإشارة فلا تفهم إن كانوا معك أم عليك؟ هل جربت إحساس "هلع" مواطن تبتلعه سمكة قرش في مياه البحر الأحمر، وحزن أمه أو أرملته حين تتابع أنباء هروب مالك العبارة "ممدوح إسماعيل" بحصانته وأرواح المصريين المعلقة في رقبته وعدة ملايين من دم الشعب؟.
هل ضاع لك حق في دهاليز "الفساد"، أو فقدت وظيفة أو ترقية بسبب "المحسوبية"، إن كنت تعرف تلك المشاعر جيدا فأنت تعرف -بالضرورة- قيمة "القضاء العادل". تعرف أيضا قدسية منصة القضاء والوشاح الأخضر و"القول الفصل" الذي ينطق به القاضي فينقذ بريئاً من قسوة السجن أو يقضي بالقصاص من قاتل.
"العدالة" ليست مجرد فكرة مجردة، بل هي أحد موازين الكون، وحين تجد القاضي يعمل علي خلفية: " العدل أساس الملك" تشعر -رغم المظالم- أن قضاة مصر هم الحصن الآمن وخط الدفاع الأخير عن المواطن والوطن.
أنا شخصيا كنت من أنصار عدم الخلط بين الرقابة القضائية علي الانتخابات وممارسة العمل السياسي بنقد تلك الانتخابات، ورغم أن الحديث عن إصلاح القضاء "تابو" يصعب اختراقه كنت أطالب بربط "استقلال القضاء"بإصلاحه. وعقب حرب التصريحات التي قادها بعض القضاة لكشف تزوير الانتخابات النيابية من خلال المنابر الإعلامية كتبت -في نفس المكان- أطالب القضاة بالعودة إلي ثكناتهم.لكنني فجأة شعرت بأن سمك القرش يبتلعني، وبأنني أذوب في ملوحة التعنت السياسي الذي تمارسه الدولة، أغرق في دوامة لا تنتهي من التصريحات عن إصلاح "مجهض" و"ديمقراطية" مشوهة لا تفي إلا بمصالح حفنة محدودة من النخبة الحاكمة!
تذكرت حقوقي المدنية التي تاهت بين أروقة المحاكم لبطء عملية التقاضي (وأسباب أخري محظور الحديث عنها)، وتذكرت القوانين المعيبة التي مازالت المحاكم تنفذ أحكامها، لكنني تأملت فكرة "الحرية" الأشمل من بعض الأضرار المحدودة، توقفت أمام وقفة القضاة المهيبة اعتراضا علي تأخر صدور قانون استقلال السلطة القضائية، فشعرت بأنني ربما أختلف مع بعض مطالبهم أو أميل قليلا للرأي القائل إن استقلالهم التام قد يجعل منهم دولة داخل الدولة وتساءلت: تري كم دولة لدينا الآن؟. تستطيع أن تقول -بضمير مرتاح - إن لدينا دولة الفساد ودولة الإخوان وأخيرا تأتي الدولة التي يرأس حكومتها الدكتور نظيف -وفقا للتريب تنازليا - إذن ما الذي يمنع أن يكون لدينا دولة شعارها:"تحقيق العدالة"؟
ما معني أن يحيل المستشار "محمود أبو الليل" وزير العدل المستشارين "هشام البسطويسي" و"محمود مكي" نائبي رئيس محكمة النقض إلي "جلسة صلاحية"؟. هل معني ذلك وأد عملية الحراك السياسي، أم أن المراد من ذلك التمويه علي نواب زوروا إرادة الأمة واغتصبوا حصانة تصلح للقراصنة أكثر مما تصلح لأعضاء مجلس الشعب؟. هل أسقط الدكتور "فتحي سرور" رئيس مجلس الشعب من ذاكرته نواب (البلطجة والتجنيد والمخدرات.. ونواب سميحة)؟، أم أن المجلس الموقر انتقل من خانة "سيد قراره" ليعمل بقانون: "أنا عنيد ومحدش يقدر يلوي دراعي أبداً"!!.
كنا نتحدث عن هيبة القضاء وقدسية أحكامه، ونطالب القضاة بالبعد عن اللعبة السياسية، لكنهم اختاروا - طواعية - الاشتغال بالسياسة لنيل حقوق يرونها عادلة، ولا داعي للمغالطة والزعم بأنهم يتحملون أوزار السياسة لأنهم - في الحقيقة - يدفعون الآن ثمن الدفاع عن الوطن وليس عن حقوقهم. هؤلاء كشفوا تزويرا يعمي العيون المتبجحة، تزويراً سجلته عدسات الفضائيات التي أذاعت فضيحة مصر السياسية علي الهواء، لكن تصريحات القضاة هي ما يزعج الحكومة، والسبب بسيط: "الدولة تريد قضاء مخترقاً"، فإذا أردناه عادلاً ونزيهاً، بدأت بوادر "مذبحة" جديدة للقضاة!

بطل الديمقراطية!! .. نشرت بتاريخ 14 / 4 / 2006


حين سقطت بغداد، انتشرت شائعة ظهور «المهدي المنتظر» بين الشعوب العربية، لتجسد حاجة تلك الشعوب إلي قائد ملهم تدعمه قوة إلهية تتجاوز عجزهم عن تغيير الواقع السياسي. وبشكل أو بآخر، تطورت وسائل الميديا العربية لتصمم في كل مرحلة تاريخية نموذجاً (علي مقاس أحلام الشعوب). قائد يتمتع بصفات المهدي المنتظر، وينفذ مشيئة السماء بـ«قرار تاريخي» تصفق له الجماهير دون نقاش أو مراجعة ودون «معارضة»!!
حين قرر الرئيس «السادات» السفر إلي تل أبيب وعقد اتفاقية «كامب ديفيد» كانت ملائكة حرب أكتوبر ترفرف حوله وهو ينفذ تعاليم الأديان الثلاثة ليصبح «بطل الحرب والسلام» !!. ساعتها وجد من يروج لأفكار قائد سياسي «سابق عصره»، حتي لو كان الثمن مقاطعة عربية حادة أو ضياع الحقين الفلسطيني والسوري إلي الآن.
هل عرفتم الآن قيمة الجلوس إلي طاولة المفاوضات؟، هل الدم الفلسطيني المهدر يدفعكم للندم علي الفرصة الذهبية التي أضعتموها حين رفضتم الانصياع لأفكار «السادات»؟إذا كانت الإجابة بنعم، فعليكم أن تستجيبوا لآراء «بطل الديمقراطية» الرئيس الليبي «معمر القذافي»، مع ملاحظة أن هذا اللقب من اختياره وهو من أعلنه أثناء مشاركته عبر الفيديو في ندوة «آفاق من أجل الديمقراطية» التي نظمتها جامعة كولومبيا بنيويورك. وربما كان عليكم أيضا اتباع نموذج الحكم «الجماهيري» الذي أرساه، خاصة بعد أن سقطت نظرية التعددية الحزبية واتضح أن الحكم يؤول غالبا إلي حزب السيد الرئيس.
وبنفس المنطق لابد أن نعيد النظر في عروبتنا السليبة ونفكر في التحول إلي تجمع أفريقي يشعرنا بالتفوق أو علي الأقل يعفينا من الهم العربي.
أنا شخصياً معجبة بتلك الصدمات السياسية التي يحدثها العقيد «معمر القذافي» بدءا من «الكتاب الأخضر» ومرورا بانسحابه من القمم العربية وصولاً إلي التحولات الانقلابية في موقفه من الغرب وخصوصًا أمريكا. لم يعد مكان القصف الأمريكي مزارًا لضيوف ليبيا الآن، كف «الزعيم» الليبي علي تقديمه دليلاً علي صموده في وجه القوي العظمي في العالم ( لاحظ أن ليبيا أيضا جماهيرية عظمي) وحل محل الثأر الليبي - الأمريكي حديث عن دفء في العلاقات بين البلدين، ومشاورات في البنتاجون لدراسة مساعدة ليبيا في تدمير مخزونها من الأسلحة الكيماوية!!
لكن الإدارة الأمريكية مازالت حائرة في تحديد موقفها النهائي من النظام الليبي: فهي تصنف ليبيا كواحدة من حوالي ست دول علي قائمة الولايات المتحدة للدول التي تتهم برعاية الإرهاب، ورغم ذلك تناقش تقديم مساعدات تصل إلي ١٠٠ مليون دولار لتدمير المخزون الليبي من الأسلحة الكيماوية، حفاظاً علي أمنها القومي.
وبينما يرفع «بوش» بعض قيود الصادرات العسكرية لنفس الهدف يطلق العقيد القذافي تصريحات نارية يتحدي فيها الغرب بالسماح للرئيس الأمريكي بالطواف حول الكعبة! وفي إطار حملة لدعوة «اليهود والنصاري» للطواف بالكعبة لا يفوته استعداء الغرب بأكمله علي كل ما هو إسلامي، حين يقرر بشكل قاطع أن الإنجيل مزور وأن «موسي» لو كان موجودًا في عصر «عيسي» لأصبح مسيحياً!
الغريب هنا ليس في كلام العقيد القذافي ولكن في «التعجب» من حديثه، وكأننا لم نعتد منه تلك الصدمات الكهربائية. وبالمثل لا يجوز لنا تحليل التناقض الحاد بين سياسة ليبيا تجاه أمريكا وبين آراء رأس النظام الليبي. لأننا لم نرتق فكريا لفهم نظريات «قائد ملهم» هو قطعا «سابق عصره»، وهو أيضا مؤسس نظريات حديثة في قواعد الديمقراطية وتكتيك التعامل مع الدول العظمي وفنون تربية «العرب» وأساليب قيادة «الأفارقة».
نحن أمام شخصية تاريخية لن نفهم أبعادها إلا بعد عدة قرون. وبعيداً عن «الحالة الليبية» أتحدي إن كان بيننا من يفهم كيف تدار شئون الحكم في بلادنا، أو يعرف نقاط التوازن في علاقاتنا الخارجية.
قطعا العيب ليس في الحكام ولا في أساليب الحكم.. العيب فينا.

يا أنا.. يا الإخوان!! .. نشرت بتاريخ 7 / 4 / 2006


ما بين "التجميد" أو الانفجار من الداخل تعيش أحزاب المعارضة حالة انتحار منظم.. ربما بدأت عند تأجير حزب العمل للإخوان المسلمين، وربما بدأت قبل ذلك.
فتلك الأحزاب تحمل عوامل فنائها بداخلها، وتعاني نفس أمراض الحزب الحاكم: من حيث تأليه الفرد فيرفع كل رئيس حزب شعار: "أنا الحزب والحزب أنا".. أضف إلي ذلك الديكتاتورية ومركزية القرار في أحزاب هشة كرتونية، تفتقر إلي المصداقية والقاعدة الجماهيرية! أحزاب تعاني الشيخوخة، فمعظمها أحزاب عائلية مغلقة تحكمها دوائر سلطة مطلقة تحتكر أنشطتها،

وعلي رأسها زعامة تاريخية تحكم إرثاً سياسياً توقف نموه، أضف إلي ذلك "فقرا" لا يعانيه الحزب الوطني، وحصارا من قانون الطوارئ، وحظرا من الإعلام الرسمي. وبالتالي قد يبدو منطقيا للبعض دخول أحد أحزاب المعارضة في صفقات سياسية مع الحزب الوطني، أو الخضوع لمهانة قبول الدعم المادي لإصداراتها الصحفية.

قد يجد البعض تبريرًا لقبول أحد أقطاب المعارضة "الدكتور رفعت السعيد" "التعيين" في مجلس الشوري، أو أن يدير الحزب الوطني لعبة الكراسي السياسية مع أحزاب المعارضة في الانتخابات النيابية.وبالتالي كان من البديهي أن يفرز الشارع المصري حركات سياسية جديدة مثل "كفاية"، علها تعبر عن مطالب الشارع بعد أن فقدت الأحزاب "المرخصة" مصداقياتها وتواجدها بين الجماهير وتحولت إلي مقار كرتونية وجرائد متعثرة.
وما بين الانتخابات الرئاسية والانتخابات النيابية دخلت أحزاب المعارضة "أوكازيون سياسي"، انتهي إلي عملية "تصفية" لأعتي الأحزاب الليبرالية "حزب الوفد" في عملية إرهاب سياسي غابت عنها الدولة وإن ألقت بظلال وجودها في تأخر قوات الأمن عن التدخل، وجرأة الخصوم علي بعضهم البعض بما يوحي بأن هناك "تطمينات ما" تلقاها كل طرف!
بعنترية شديدة يمكن أن نتبني المقولة التي يروج لها الوفديون وعلي رأسهم الدكتورة "إيمان جمعة"، لنقول إن الدكتور نعمان يدفع ثمن ترشيحه لانتخابات الرئاسة. لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا، كشفها الدكتور نعمان بنفسه حين خرج من الانتخابات كأسد جريح ليطلق تصريحاته النارية ضد من (عملوا له عجين الفلاحة ليرشح نفسه) من قيادات الحزب الوطني ثم وجهوا له إهانة لا تغتفر بإسقاطه في بعض الدوائر التي يعتبرها "وفدية" بالفطرة!!
وفي تعنت واضح رفض الوفدي البارز الاستقالة من رئاسة الحزب عقب خسارته المخزية، وشن هجومًا ضاريا علي قيادات الوفد البخيلة ورشحها للعمل وزراء مالية عند "شارون"، رغم أنه صرف مبالغ طائلة علي حملته الانتخابية.
السؤال الصعب في تلك الصفقة التي تحول بعدها رئيس الوفد إلي "وجه محروق" سياسيا: هل كان حرقه المتعمد لحزب الوفد أحد فصول تلك الصفقة التي عقدها مع الحزب الحاكم، أم أنه خسر رهانه علي الحزب الحاكم حين قدم موقعه السياسي في تمثيلية الانتخابات الرئاسية دون ثمن يذكر؟
قطعًا.. كان الدكتور نعمان فاقداً لحنكته السياسية في كل المراحل حين صدق وعود الحزب الحاكم وحين لجأ للبلطجة السياسية. لم ينتبه أيضا إلي أن الحكومة أطلقت مارد "الإخوان المسلمين" في رسالة محددة إلي أمريكا مفادها أن الديمقراطية لن تأتي إلا بالفاشية الإسلامية. وحتي تكتسب تلك الرسالة مصداقية وتبدو شديدة الواقعية كان لابد من تعرية أحزاب المعارضة وكشف نقاط ضعفها وصراعاتها. وبذلك اكتمل المشهد السياسي للرأي العام الأمريكي: (أعلنها الحزب الحاكم بوضوح: "إما أنا وإما الإخوان المسلمين").
هذا ما أسفرت عنه الانتخابات النيابية، وتوجهات الشارع المصري التي رأت في مشروع الدولة الدينية الخلاص من لعنة الفساد. حتي الشعب المصري الذي تلاعبت به قوي البلطجة والنوازع الدينية تم تسييسه في خطاب الحزب الحاكم لقوي الغرب الضاغطة من أجل الديمقراطية. والنخبة أيضا أصابها خوف هستيري من قدوم الإخوان إلي سدة الحكم، وبذلك سهل اصطياد بعضهم - أعني استقطابهم - لينضموا إلي خندق الدولة بكل سلبياتها!
الآن.. لم يتبق من أحزاب المعارضة إلا رموزا سياسية خلف القضبان (منهم د أيمن نور ود نعمان جمعة)، ومقار تشتعل بصراع القيادات. فالمعارضة بعض أحزابها ينتظر مصيره أمام لجنة شؤون الأحزاب، والبعض الآخر يجهز أوراقه لتحال إلي اللجنة! قد تكون الدولة قد لعبت دوراً خفياً في خلخلة تلك الأحزاب من الداخل، لكنها في كل الأحوال سقطت بفعل الانتهازية السياسية. لقد دفعت المعارضة فاتورة أمراضها السياسية، لكن الفاتورة الأكثر فداحة ستدفعها الدولة نتيجة تفريغ الشارع وإخلاء الخريطة السياسية للإخوان المسلمين. إذن سيعيش الحزب الحاكم علي أشلاء وطن.